الرئيسية / كيمياء / مقدمة عن ميكانيكا الكم وتاريخها وأحدث تطبيقاتها فى العصر الحالى

مقدمة عن ميكانيكا الكم وتاريخها وأحدث تطبيقاتها فى العصر الحالى

ميكانيكا الكم أو النظرية الكمية تعتبر أحد أكثر النظريات الفيزيائية تعقيداً وجنوناً، فهى تنقلنا إلى عالم متناهي الصغر غير مرئي، هو عالم الأجسام دون الذرية. وكلمة (Quantum) هي كلمة مشتقة من اللاتينية تشير إلى أصغر كمية من الطاقة أو الوحدات المنفصلة الصغيرة من الطاقة. وهو جانب من علم الفيزياء يختص بدراسة سلوك وخواص المادة والطاقة على المستوى الذري ودون الذري، ويقوم على العديد من المبادئ والظواهر المدهشة و قد كان من الضروري ظهور علم ميكانيكا الكم للإجابة على الأسئلة التي لم تستطع الفيزياء الكلاسيكية الاجابة عليها. وقد بدأت فى الظهور فى القرن العشرين، حيث قام ماكس بلانك عام 1900 بتقديم ورقى بحثية لتفسير إشعاع الجسم الأسود، ومن ثم تطورت ميكانيكا الكم ﻋﻠﻰ ﻳﺪ ﻣﺎﻛﺲ ﺑﻼﻧﻚ ﻭﻧﻴﻠﺰ ﺑﻮر وﻫﺎﻳﺰﻧﺒﺮﻍ والبرت اينشتاين ﻭﺇﺭﻭﻳﻦ ﺷﺮﻭﺩﻳﻨﺠﺮ وغيرهم من علماء الفيزياء.

تاريخ ميكانيكا الكم:

تقوم ميكانيكا الكم على مفوهمين أساسين:

المفهوم الأول: الجُسيمات في العالم الكمّي هي موجات.

فى بدايات القرن العشرين قام العلماء برصد سلوك الضوء بعد تسخين غاز في أنبوب زجاجي، وتم طرح تساؤل: لماذا الضوء الصادر من الغاز والمار من خلال منشور زجاجي يعُطي خطوط مستقيمة ضوئية صحيحة، وليست أطياف خافتة وموزعة ؟

إفترض الفيزيائى “نيلز بور” أن الإجابة عن هذا التساؤل سوف تُكشف إذا قمنا بدراسة الذرة نفسها، وقد قدم تصور لتركيب الذرة بأنها تشبه النظام الشمسى، حيث تتكون من نواة فى المركز تدور حولها الإلكترونات فى مدارات رئيسية مثل الشمس والكواكب. وإذا قمنا بتسخين المادة تقوم تلك الإلكترونات بالقفز من مدارها إلى مدار أخر حول النواة نتيجة لتحفيزها بالحرارة، ونتيجة هذه القفزات تنتج الإلكترونات طاقة فى شكل ضوء، وتسمى هذه القفزات بال (القفزات الكمية).

فى عام 1920 قام فيزيائيين بإجراء تجربة الانشطار المزدوج والتى أظهرت أن الجسيمات فى العالم الكمي تسلك سلوك الموجات.

وقد إقترح ماكس بورن أن الموجة تظل موجة لا إلكترون ولا شيء آخر سوى أنها موجة، لكنها موجة إحتمالية في العالم الكمي؛ أي أن حجم الموجة في أي موقع يتنبأ بإمكانية واحتمالية وجود الإلكترون فيه، فإذا كان حجم الموجة الاحتمالية كبير؛ سيحمل الإلكترون لمكان بعيد عن الموقع الذي من المفترض أن يكون فيه، لذا يتواجد الإلكترون في أماكن عدة هنا أو هناك، وليس في منطقة بعينها.

ولكن لم يؤيد أينشتاين فكرة الاحتمالات ولا سلوك الإلكترون في العالم الكمِّي، فقد كان يؤمن بالحقائق فقط الاحتمالات، وقال مقولته في هذا الشأن: أنا أحب أن أعتقد أن القمر موجود حتى عندما لا أنظر إليه !

وقال جملته الشهيرة حين تجادل مع «نيلز بور» في ذلك: الله لايلعب النرد

المفهوم الثانى: هو أنه لا توجد روابط بين الجزيئات المنفصلة.

إفترض نيلز بور أن الجزيئات تكوِن رابطة حين يكون جزيئين قريبين من بعضهما البعض فتصبح خواصهما مرتبطة، وفي ميكانيكا الكم لو فصلنا أي جزيئين مترابطين، وأصبحا في مكانين بعيدين مُتعاكسين، فستظل خواصهما مترابطة أيضاً، بل أنه وفي حالة قياس خصائص أحد الجزيئات يكون الآخر مُتأثراً بما يحدث للجزيء الأول!

لتوضيح ذلك، حركة الإلكترون حول نفسه فى إتجاهين معاً ببساطة أحدهما مع عقارب الساعة، والآخر عكس عقارب الساعة بسرعةٍ كبيرة، إضافة إلى أن خصائص الإلكترونات بشكلٍ عام ضبابية وغير مُؤكدة، حتى في اللحظة التي نقيسها.

فلو فرضنا أننا نقيس خصائص الدوران على سبيل المثال للإلكترون أو الجزيء الأول، سنجد الآخر يتغير ويتأثر بالجزيء الأول في اللحظة التي يكون فيه الأول تحت تصرفنا!

لم يكن أينتشتاين مؤيداً لهذا الرأى أيضاً وأعتقد ان هذا الترابط بين الجزيئات يكون ممكناً لو وضعنا في اعتبارنا أن الجزيئات ليست مُترابطة بروابط غريبة كما ذكرها “بور” على مسافات بعيدة، وإنما الجزيئات نفسها تشبه زوجاً من القفازات.

إفترض إينشتاين وجود قفازين لهما إتجاهين مختلفياً يميناً ويساراً، كحركة عقارب الساعة وعكسها للإلكترون الواحد. فلو وضعنا القفازين في علبتين منفصلتين وأبعدناهما عن بعضهما في مكانين مختلفين، ونظرنا داخل إحدى العلب لمعرفة أي الجهة موجودة يميناً أو يساراً ، سيكون هناك احتمالين اثنين لا ثالث لهما.

إذا وجدنا في العلبة الأولى الجهة اليمنى للقفاز، يمكننا معرفة الجهة الأخرى بديهياً بأنها الجهة اليسار. هنا نحن لم نؤثر على أحدهم ليتغير الآخر، بل هما مُحددان مسبقاً حينما فصلناهما عن بعضهما. وهكذا الجزيئات لو وُضعت في صورة قفازين، تكون مُحددة الخصائص مُسبقاً قبل فصلهما.

وهكذا ظل التساؤل بين علماء الفيزياء، من منهما على حق؟ أينشتين أم نيلز بور؟، الحقيقة أن لا أحد يعلم وأعتبرو حينها كل تلك الإفتراضات فلسفة لا علم.

حتى قام الفيزيائى جون كلاوزر عام 1967 ببناء آلة مهمتها قياس الآلآف من الجزيئات المترابطة، وتقارن بينهما في العديد من الإتجاهات المختلفة، وكانت النتائج مفاجئة وغير سارّة، وكرر كلاوزر التجربة عدة مرات لكن دون جدوى؛ نتائج خاطئة على التوالي. فشارك في هذه التجربة الفيزيائي الفرنسي “إس بي” باختبار يتعلق بجوهر الخلاف بين اينشتاين وبور.

نتائج التجربة أثبتت أن حسابات ميكانيكا الكم صحيحة، بالإضافة أن الرابطة موجودة بالفعل في الجزيئات في العالم الكمّي من دون الأخذ في الإعتبار المسافة بينهم،. أي أن أينشتاين كان خاطئاً حين ألغى فرضية أن تكون هناك حركة غريبة بين الجزيئات تربطهما ببعض. وهذا صادماً على نحو غير مسبوق، ويقول أشهر الفيزيائيون على مستوى العالم في ذلك الخصوص:

أنه لا يمكن لأي أحد أن يسأل لماذا هناك رابطة، وتصرفات مُترابطة بين الجزيئات المنفصلة التي تفصلهما مسافاتٍ بعيدة، وكأن تلك المسافة غير موجودة؟ هذا سؤال ليس له إجابة.

هنا؛ ألغت النظرية الكمِّية مفهوم وفرضية عدم وجود رابطة بين الجزيئات المترابطة المتباعدة، وأثبتت أنه بالفعل توجد رابطة بين الجزيئات حتى لو كان أحدهم على سطح القمر، والآخر على الأرض.!

يوفر معمل براكسيلابس الإفتراضى العديد من التجارب الفيزيائية، يمكنك إستخدام نسختك التجريبية مجاناً من هنا.

استخدام ميكانيكا الكم فى التشفير:

يتم إستخدام التشفير cryptography المعقد لحماية الحسابات البنكية والهويات من عمليات الاحتيال أثناء القيام بعمليات البيع والشراء عن طريق الإنترنت. ولكن تشكل الحواسيب الكمومية الفائقة quantum computers مصدر محتمل للهجمات ضد معلوماتنا الشخصية. لذلك قام باحثون من جامعة بريستول للهندسة التقنية بتطوير دارات من رقاقات ميكروية إذ تستغل عالم ميكانيكا الكم الغريب وتوفر مستوى محسن من الأمن باستخدام قوانين الفيزياء الكمومية.

توزع هذه الأجهزة مفاتيح التشفير cryptographic keys باستخدام خواص التشابك الكمومي Quantum Entanglement والتموضع الفائق superposition، إضافة إلى العشوائية المطلقة randomness التي يوفرها السلوك الكمومي، وهذا غير قابل للتحقيق إلا عن طريق ميكانيك الكم.  

ويقول الباحث الرئيسي البروفيسور مارك تومسون Mark Thompson: “يسمح النظام الذي قمنا بتطويره بتبادل المعلومات باستخدام فوتونات photons ضوئية مفردة في حالة كمومية quantum state”. ويضيف: “في حال تعرض الإرسال للاختراق من قبل متنصت، فإن ذلك سيسبب انهيار الحالات الكمومية وسينذرك النظام حالاً بوجوده وسوف ينهي الإرسال”.

هذا التعاون العالمي -الذي ضم باحثين من بريستول وغلاسكو Glasgow والمؤسسة الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات NiCT في اليابان- استخدم مصنعين لرقاقات من أنصاف النواقل semiconductor chip على نطاق تجاري لصنع أجهزتهم بشكل مشابه لنماذج انتل Intel السيليكونية في وحدات المعالجة المركزية CPU. لكن بدلاً من استخدام الكهرباء، استخدمت هذه الأجهزة المصغرة الضوء لترميز المعلومات عند مستوى الفوتون المفرد single photon level، مما وفر مفاتيح تشفير غير محدودة العمر.

 

عن مصطفى الحشاش

Avatar
مساعد باحث بقسم الجيولوجيا جامعة عين شمس ومهتم بتقنيات التعليم والبحث العلمي.

شاهد أيضاً

الجسيمات دون الذرية وأشهر أنواعها

ما زال العالم ملئ بالأسرار الغامضة التى لم نكتشفها بعد، وما زال العلماء يحاولون جاهدين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *